أحمد بن محمد ابن عربشاه
250
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وإطراح جانب الصديق الصدوق والرفيق الشفوق وإضاعة خدمة الخديم ؛ لا سيما النديم القديم ، ولم تزل الأصاغر تستمطر مراحم الرؤساء والأكابر ، ولم تبرح الملوك تعطف على مسكينها الصعلوك أنسيت ما قلت لك في حقيقة من ملك وهو : ليس المليك الّذى تشفى رعيته * وإنّما الملك مولى يحفظ الخدما وأيضا لم تزل الأصحاب تساعد أصحابها ، وتستعطف عليها ملوكها وأربابها وترفع بحسن السفارة من ستائر الدهشة حجابها ، ويثبتون بذلك الأجر العظيم والثواب الجسيم والثناء العاجل والجزاء الآجل في صحائف مخاديمهم ، ويعدون ذلك أربح معاليمهم ويبذلون في ذلك الجهد ويبلغون فيه غاية الكد . وذلك مما يجب عليهم ويتقدم بالمحافظة عليه إليهم كما قيل : يستعطفون الأكاسر * يستعبدون الأصاغر يحبون رسم الأوائل * يعلمون الأواخر وأي فائدة واستفاده أيها الوزير أبا قتادة في رعية ملك لا تنفق قلوبهم ، ولا تستر بينهم عيوبهم ، ولا تظهر بالصفاء جيوبهم ، ولا تتجافى عن مضاجع الجفاء جنوبهم ، ولا يستوى في الوفاء حضورهم وغيوبهم ، تراهم في الغيبة يفت بعضهم فتا ويرعون لحومهم قتا « 1 » كبهائم لاقت في مرعاها قتا « 2 » ، وفي الحضور تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى . ثم إن كان أخو نهشل يساعد أخاه أبا نوفل ، فذاك شيء يجب عليه ويندب إليه ، فإنه صاحبه القديم وجليسه القويم ، وإن تخلى عنه فما ذا يرجى منه ، وحجر النوائب هو محك الأصحاب ، وجمر المصائب يظهر من تبر الصداقة اللباب . وقد قام في هذه
--> ( 1 ) القت : الكذب . ( 2 ) القتا : نبات له حب يؤكل ، والواحدة : قتة .